|
اية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (قدس الله سره)
بيروت - متابعة البيان
برحيل سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله فقدت الأمة الإسلامية ، احد ابرز الداعين إلى الوحدة الإسلامية محارباً التفرقة والفتنة، والذي ملأ الساحة بعلمه وجهاده ومواقفه ومؤلفاته.
فقد اعلن في بيروت يوم امس الاحد عن وفاة سماحته عن عمر ناهز الخامسة والسبعين عاما في مستشفى بهمن في الضاحية الجنوبية لبيروت التي دخلها يوم الجمعة الماضي بعد اصابته بنزف داخلي حاد .
وولد السيد فضل الله في مدينة النجف الاشرف عام 1935, وبدأ دراسته للعلوم الدينية في سن مبكرة جدا, ثم أصبح أستاذا للفقه والأصول في الحوزة العلمية في النجف التي غادرها عائدا الى لبنان عام 1966 .
السيد الشهيد اية الله العظمى محمد باقر الصدر(قدس الله سره ): كل من خرج من النجف خسر النجف إلاّ السيد فضل الله، فعندما خرج من النجف خسره النجف
الولادة والنشأة
ولد سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله في النجف الأشرف في19/شعبان/1354هـ، حيث كان والده آية الله السيد عبد الرؤوف فضل الله قد هاجر إليها لتلقّي العلوم الدينية، وأمضى مع أسرته فترات طويلة في الدرس والتدريس، ضمن الحاضرة العلمية الأبرز في العالم آنذاك.
النسب
السيد محمّد حسين بن السيد عبد الرؤوف ابن نجيب الدين ابن السيد محيي الدين بن السيد نصر الله بن محمد بن فضل الله (وبه عرفت الأسرة وإليه نسبت) بن محمد بن محمد بن يوسف بن بدر الدين بن علي بن محمد بن جعفر بن يوسف بن محمد بن الحسن بن عيسى بن فاضل بن يحيى بن حوبان بن الحسن بن ذياب بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن محمد بن داود بن ادريس بن داوود بن أحمد بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن الإمام علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
الدراسة العلمية
ترعرع السيد فضل الله في أحضان الحوزة العلمية الكبرى في النجف الأشرف، وبدأ دراسته للعلوم الدينية في سنّ مبكرة جداً.. ففي حوالي التاسعة من عمره، بدأ بالدراسة على والده، وتدرّج حتى انخرط في دروس الخارج في سنّ السادسة عشرة تقريباً، فحضر على كبار أساتذة الحوزة آنذاك، أمثال: المرجع الديني السيد أبو القاسم الخوئي ، والمرجع الديني السيد محسن الحكيم ، والسيد محمود الشاهرودي، والشيخ حسين الحلي (قدّهم)، وحضر درس الأسفار عند الملاّ صدرا البادكوبي.
وقد كان سماحة السيد فضل الله من الطلاب البارزين في تحصيلهم العلمي في تلك المرحلة، ويُذكر في هذا المجال أن السيد الشهيد محمد باقر الصدر (ره) قد أخذ تقريرات بحث السيد فضل الله إلى السيد الخوئي لكي يُطلعه على مدى الفضل الذي كان يتمتع به سماحته، هذا الأمر الذي انعكس فيما بعد ثقة كبيرة من المرجع الخوئي تجاه السيد فضل الله، فكانت وكالته المطلقة له في الأمور التي تناط بالمجتهد العالم.
وقد أثر عن سماحة السيد فضل الله أنه كان من الأوائل البارزين في جلسات المذاكرة، حتى برز من بين أقرانه ممن حضروا معه، فتوجّهت إليه شرائح مختلفة من طلاب العلم في النجف آنذاك، فبدأ بعطائه العلمي أستاذاً للفقه والأصول.
العطاء العلمي
حضر عند سماحته في النجف الكثير من طلاب العلم، من اللبنانيين والعراقيين والسوريّين، ممّا يسمّى بالمقدمات وحتى السطوح، حتى درّس عدة دورات في كتابي "المكاسب" و"الرسائل" للشيخ مرتضى الأنصاري، وكتاب "كفاية الأصول" لللآخوند الخراساني.
وقد كان كل أقرانه يشهدون له بالمكانة العلمية والتحصيل، حتى افتقدته الساحة الإسلامية في العراق عندما عاد إلى لبنان في العام1966م، وهذا ما عبّر عنه السيد محمد باقر الصدر حين قال: "كل من خرج من النجف خسر النجف إلاّ السيد فضل الله، فعندما خرج من النجف خسره النجف".
وكما اهتمّ سماحته بالدراسة الدينية الحوزوية، اهتمّ بالنشاط الثقافي في النجف، فانتُخب عضواً في المجمع الثقافي لمنتدى النشر، وقد شارك في الحفلات الأدبية، وكان على اطلاع على الثقافة العصرية، فكان يقرأ المقالات التي يكتبها الأدباء والمفكّرون في المجلات المصرية واللبنانية التي كانت تصل إلى النجف آنذاك، فكان يقرأ - في سن العاشرة- مجلة "المصوّر" المصرية، ومجلة "الرسالة" التي كان يصدرها حسن الزيّات، ومجلة "الكاتب" التي كان يصدرها طه حسين، وغيرها.
وهذا الأمر أوحى إليه، مع بعض زملائه، ومنهم السيد محمد مهدي الحكيم ، نجل المرجع السيد محسن الحكيم ، بإصدار مجلة خطّية باسم "الأدب". يقول العلامة المرجع السيد فضل الله في هذا المجال: "وكنا نحررها في سن العاشرة أو الحادية عشرة في ذلك الوقت، وكنا نكتب عدداً كلما زاد مشترك، وكنا نعيش هذا الهاجس في أنفسنا".
وعندما أصدرت جماعة العلماء في النجف الأشرف مجلة (الأضواء) سنة1380هـ، وهي مجلة ثقافية إسلامية ملتزمة، كان سماحته أحد المشرفين عليها مع السيد الشهيد السيد محمد باقر الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين.. يقول سماحته: "كان السيد محمد باقر الصدر، في السنة الأولى منها، يكتب افتتاحيتها بعنوان "رسالتنا"، وكنت أكتب أنا الافتتاحية الثانية بعنوان "كلمتنا"، وقد جمعت هذه الافتتاحيات في كتابي "قضايانا على ضوء الإسلام".
وعندما عاد سماحة السيد فضل الله إلى لبنان في العام1966م، على إثر دعوة وجّهها إليه مجموعة من المؤمنين الذين أسسوا جمعية أسرة التآخي التي تهتم بالعمل الثقافي الإسلامي الملتزم، من خلال شعورهم بمدى حاجة الساحة الإسلامية اللبنانية إلى سماحته، لم ينقطع عن العطاء العلمي، فأسس حوزة "المعهد الشرعي الإسلامي"، وشكّل بذلك نقطة البداية لكثير من طلاب العلوم الدينية، وقد تخرج على يديه كثير من العلماء البارزين في الوسط اللبناني، وما يزال المعهد قائماً حتى وقتنا الراهن.
وشرع سماحته بإلقاء "دروس الخارج" في الفقه والأصول على طلاّب العلم منذ ما يزيد عن العشرين عاماً، ويحضر درسه في بيروت ما يزيد عن المائة طالب من اللبنانيين والعراقيين وغيرهم، وقد درس على يديه العديد من أهل العلم والفضل وأساتذة الحوزة، وقد صدرت تقريرات لبعض أبحاثه في النكاح والرضاع والوصية والمواريث والقضاء، وغيرها، بالإضافة إلى مئات أشرطة التسجيل الصوتي في الأبواب الفقهية والأصولية المتنوعة.
وبالإضافة إلى درس الخارج في بيروت، شرع سماحته بتدريس الخارج في حوزة المرتضى في دمشق/سوريا، في يومي السبت والأحد من كل أسبوع، يحضره العديد من طلاب العلم وأساتذة الحوزة، من العراقيين والخليجيين بشكل خاص، ممن هاجروا إلى الشام وأقاموا في جوار السيدة زينب(ع) وقد درّس سماحته في أبواب مختلفة من الفقه، وطبع من تقريراته كتاب "فقه الإجارة"، وفقه الشركة ، ويتابع حالياً التدريس في فقه مناسك الحج.
المنهج الفقهي الأصولي تميّز سماحة السيّد (دام ظلّه) بتجربة فقهية وأصولية متميّزة جعلت منه مجدّداً في هذا العالم، متابعاً لمسيرة السلف الصالح من الفقهاء، وممهّداً الطريق نحو اجتهاد أصيل في فهم الكتاب والسنّة، وقد ساعده على ذلك فهمه العميق للقرآن الكريم، انطلاقاً من تفسيره "من وحي القرآن"، وذوقه الرفيع في اللغة العربية وآدابها، وبالإضافة إلى كل ذلك، امتلك سماحة السيد لجرأة العلمية على طرح نظريّاته الفقهية عندما يتوصل إلى قناعة ثابتة بها، ورأى أنّه في ظل وضوح الرؤية لدى الفقيه، ليس ثمّة مبرّر له في الاحتياط، لأن الاحتياط لا بدّ أن يرتكز على دراسة واقعية لظروف المكلّفين لا لظروف المجتهد، لأن الاحتياطات التي لا أساس علمياً لها، أوقعت المكلّف بالحرج والمشقّة في كثير من المجالات الابتلائية، ولذا أفتى سماحته بطهارة كلّ إنسان، وبجواز تقليد غير الأعلم، وباعتماد علم الفلك والأرصاد في إثبات الشهور القمرية، وغير ذلك، وقد قال بعض الفضلاء وهو يشير إلى بعض الفتاوى السابقة، إنه وصل إلى نفس النتائج، والفرق أن "السيّد كان أجرأ منّا"..
مؤلفاته :
الكتب الفقهية
1- فقه الشريعة (الرسالة العملية)، وتتألف من ثلاثة أجزاء. 2- حكام الشريعة: ملخص لفقه الشريعة. 3 - الفتاوى الواضحة: تعليق على الرسالة العلمية للسيد محمد باقر الصدر. 4 - دليل مناسك الحج. 5 - كتاب الصوم. 6 - المناسك الفقهية. 7 - فقه الحياة. 8 - تحديات المهاجر
الكتب الاسلامية
1- الإسلام ومنطق القوة. 2 -مع الحكمة في خط الإسلام. 3 - مفاهيم إسلامية. 4 - قضايانا على ضوء الإسلام. 5 - خطوات على طريق الإسلام. 6 - إرادة القوة. 7 - قضايا إسلامية معاصرة. 8 - الحركة الإسلامية: هموم وقضايا. 9 -الإسلاميون والتحديات المعاصرة. 10- في آفاق الحوار المسيحي الإسلامي. 11 - المدنّس والمقدس. 12 - للإنسان والحياة. 13 - اتجاهات وأعلام. 14 أمراء وقبائل. 15 حوارات في الفكر والسياسة والاجتماع. 16 أحاديث في قضايا الاختلاف والوحدة
كتب اخرى ومحاضرات
1 - الأخلاقيات الطيبة وأخلاقيات الحياة.
2 - تحديات الإسلام بين الحداثة والمعاصرة.
3 - الإسلام وقدرته على التنافس الحضاري.
4 - لإسلام والمسيحية بين ذهنية الصراع وحركية اللقاء.
5 - التوبة.. عودة إلى الله.
6 - المرجعية وحركة الواقع.
7 - رسالة الحج.
8 - مسائل عقائدية.
9 - الحوار بلا شروط تمرد على حالة الخوف.
10 - الزهراء المعصومة أنموذج المرأة العالمي.
11 - مائة سؤال وجواب.
12 - تقوى الصوم.
13 الجمعة منبر ومحراب.
14 صلاة الجمعة : الكلمة والموقف.
15 الندوة: أربعة عشر جزءاً تتألف من المحاضرات الأسبوعية التي يلقيها السيد كل ليلة سبت في مدينة السيدة زينب في سوريا.
القرآنيات
حركة النبوة في مواجهة الانحراف. أسلوب الدعوة في القرآن. الحوار في القرآن. من عرفان القرآن. من وحي القرآن: تفسير القرآن الكريم. كتب الدعاء
في رحاب دعاء كميل. في رحاب دعاء مكارم الأخلاق. آفاق الروح. في رحاب دعاء الافتتاح. مع روحانية الزمن كتب أهل البيت كتاب الزهراء القدوة في رحاب أهل البيت(ع)في جزأين نظرة إسلامية حول عاشوراء نظرة إسلامية حول الغدير علي ميزان الحق من وحي عاشوراء حديث عاشوراء تأملات في آفاق الإمام الكاظم(ع).
الاجتماعيات
دنيا الطفل. دنيا الشباب. دنيا المرأة. تأملات إسلامية حول المرأة. كتب الشعر
يا ظلال الإسلام. قصائد للإسلام والحياة. على شاطئ الوجدان. المسائل والبحوث الفقهية
فقه الشركة. فقه المواريث. رسالة في الرضاعة. الصيد والذباحة. كتاب النكاح. القرعة والاستخارة. الوصية. اليمين والعهد والنذر. لا ضرر ولا ضرار. كتاب الجهاد
قالوا عنه:
السيد الشهيد اية الله العظمى محمد باقر الصدر(قدس الله سره ): "كل من خرج من النجف خسر النجف إلاّ السيد فضل الله، فعندما خرج من النجف خسره النجف".
اية الله السيّد علي الخامنئي : "صلّوا خلف هذا الفيض الإلهيّ الكبير، السيّد فضل الله، فهو علمٌ من أعلام المذهب الشيعيّ".
آية الله العظمى الشيخ حسين منتظري :سماحة السيد محمد حسين فضل الله هو من علماء الإسلام وعنده مؤلفات متعددة في اختصاصات وفنون مختلفة، وهو عالم مجتهد يخدم الإسلام وينتفع بعلمه وبكتبه
الرّئيس نبيه برّي(رئيس مجلس النواب اللبناني)المرجع الرّوحي السيّد محمد حسين فضل الله، جزء أساسيّ من أنشودة المقاومة على أرض لبنان، وفي شتّى المراحل وأبواب الجهاد".
سليم الحصّ رئيس الوزراء اللّبناني السابق "السيّد محمّد حسين فضل الله، رجل كبير من رجال الدين في لبنان، ليس ضليعاً في الفقه والاجتهاد فحسب، وإنّما هو أيضاً رجلٌ كبيرٌ من رجال الثّقافة الواسعة والفكر العميق في شتّى المجالات، وهو مرجعٌ من مراجع الموقف السياسيّ، والمتبصّر الحصين المسؤول.
ولعلّ أهم ميزات السيّد المفكّر، أنّه واسع الإحاطة في نظرته إلى الأمور، فهو ليس ممّن إذا وقع بصرهم على الشّجر، زاغت بصيرتهم عن رؤية الغابة.
المطران الياس عودة (متربوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس).
إنّه رجل التّأليف والائتلاف، روحيّة الحوار عند العلامة فضل الله تخاطب القلب، لأنّها تجيء من السّماحة التي ما برح يستلهمها وقد دعي بحقّ صاحبها".
السيّد حسن محسن الأمين (صاحب دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعيّة، ومستدركات أعيان الشّيعة): "أوّل ما عرفته في أوائل الخمسينات، شاعراً مجيداً، وسمعته يلقي قصيدةً رثائيّةً مؤثّرةً، تجلّت فيها منذ ذلك الوقت، شاعريّته المتفوّقة، ثم تابعت بعد ذلك شعره المنثور، فكان الشّاعر المبدع، الّذي تلذّ للقارئ قراءته، وللسّامع إنشاده.
الشّيخ والأديب عبد الله العلايلي (باحث لغويّ وقاموسيّ، متعمّق في التاريخ الإسلاميّ):
"أردت أن أنعتك بلقبٍ أنت أهله ويكون وقفاً عليك، فترويّتُ مليّاً، وأحسستُ بحميّا ركز سرى دبيبه في كياني، ليتناهى نامة في حرفٍ من حروف الناس، راسمةً هذا اللّقب: حجّة الله البالغة، وكان في الأصل عنوان كتاب لا أعرف له صنواً، مثلما لا أعرف لك صنواً، وعلم ربِّك لا أُحابيك.
وليس بالكثير سيّدي هذا اللّقب، إزاء إمام دون أُفُقِهِ المتنابذون بألقاب تشغف أذان دنياهم، وتروق في أعين أهوائهم، وما لها في جنب الحقّ من خلاق ولا نصيب.
نعتُّك بالإمام، ومعناي به ليس ما يتبادر لأوّل وهلةٍ إلى أفهام النّاس، بل ما عنته اللّغة في الوصليّ لكلمة إمام: وهو شاقول البناء وخيطه الّذي به تقاس استقامة وضع الحجارة وانسجام رصف اللّبنات، وحسبك أنّ بناية وطنك وعمارة أمّتك إنّما تقاس بك، ومائلها لا يعرف مقدار جنوحه وميله إلا بخيطك وخطِّك.
الكاتب والمفكّر محمّد حسنين هيكل: "السيّد فضل الله إنسان لا تستطيع أن تختلف معه، وهو مظلومٌ أن يبقى في لبنان، لأنّه مرجعيّة إسلاميّة كبرى".
"السيّد محمد حسين فضل الله، لديه عقلٌ يضاهي عقل لينين في قدرته على التّخطيط، وإنّني عندما زرت لبنان، استفاد الجميع مني، ولكن أنا لم أستفِد إلا من المرجع السيّد محمّد حسين فضل الله".
ملحم كرم (نقيب الصحافة في لبنان)"نلتقي اليوم إنساناً من القادة البارزين في مجال الهدى والتّنوير، وله أيدٍ بانية في المجال الفقهيّ والتّربويّ والإنسانيّ والروحيّ والعلميّ، وهو مؤمن بما قاله الإمام عليّ(ع): نعمة الله عليك، حاجة النّاس إليك
فيليب لوكورتيه لسّفير فرنسيّ سابق في لبنان :"لقد تعلمت الكثير من خلال اللّقاء بالعلامة السيّد محمد حسين فضل الله، وخصوصاً فيما يتعلّق بالوضع الإقليمي، وتفانيه من أجل بلده لبنان، ومن تبصّره وحكمته وثقافته الواسعة".
الصّحافيّ والكاتب البريطانيّ روبرت فيسك:
"شخصٌ مثل المرجع الدينيّ الشّيعي، السيّد محمّد حسين فضل الله، هو فيلسوفٌ إلى جانب كونه داعيةً إسلاميّاً عالميّاً". منصور الرّحباني(موسيقي لبناني شهير) "يا سيّد العلماء، متحدّر أنت من سلالة إضاءات الوجود في خير أمّة أخرجت للنّاس، من تاريخ عبيره سيوف ودماء شهدت لله و الحقيقة.
العلامة الراحل محمد حسين فضل الله شاعرا ومثقفا انسانيا
عند وفاة العلامة السيد محمد حسين فضل الله نقف امام ذخيرة علمه، ننهل منها ما يجود على النفس بعطائه، وما يمنحها زهوا بقدرة هذا العلم الكبير ان يكون عنوانا لفكرنا الاسلامي الحي، وصورة زاخرة بالمعاني الجليلة لمدرسة ال البيت الذي زقوا العلم زقا، فنهل منه النهل الصافي، واسبغ به على فيوض المعرفة ما يمنحها دفقا قويا باتجاه ان تكون معرفة للحياة والنفوس، ودرسا يلامس الواقع، مثلما هو يلامس النفس بكل نوازعها وقلقها واسئلتها..السيد فضل الله هو المثقف الانساني الذي تعاطى مع الكثير من اشتغالات هذا المثقف في المجالات الفقهية والبحثية والمعرفية والسياسية والتي اعطته حضورا متميزا في المشهد الثقافي العربي وفي سياق عمل المرجعيات الدينية ويمثل الشعر في حياة فضل الله واحدا من علامات هذه الثقافة الانسانية التي تجلت فيها صورة المثقف والجمالي والمعرفي والانساني وهو يضع القصيدة بمستوى الرسالة الانسانية مثلما هي محمول جمالي زاخر بالاستعارات اللغوية الباذخة.
هكذا توحي أشعار السيد فضل الله بفعل الرهافة العالية والالفة مع الآخر، والتماهي مع الحرية والنغمات والشعر هو الحرية بلغة الرحمة والاخاء والسلام، وحين يقول السيد (اهوى الحياة) انطلاقاً من ثقافة وعلم وألوان الايمان، أبعد من الرجاء وبفصول متجددة وبذلك التأمل الغنائي والمادة الفكرية غير الحسية التي تصير هواء كل الزمان، وكل المكان
فصورة الشاعر عند العلامة فضل الله هي صورة المربي والعالم، فهو يضع القصيدة في سياقها الجمالي المعرفي، مثلما يضعها كقيمة انسانية تلامس في النفس مايجعلها عذبة، بهية، تلوذ بشغفها ورقتها عذوبة وبيانا.. وكتابه الشعري (في دروب السبعين) الصادر حديثاً عن "دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع". بيروت. لبنان، يؤكد هذه الحقيقة، وهذا المسعى الذي حرص عليه السيد فضل الله في اعطاء الشعر هذه القيمة..
الكتاب الشعري يحوي 14 قصيدة منظومة على الأوزان الخليلية، ومنها ثلاث قصائد مطولات شعر تفعيلة، حملت العناوين الآتية: "أهوى الحياة"، "إياب الروح"، "الزمن الهارب"، "أنا الغيب في الحسّ"، "لفتة الطهر"، "نهر الذكريات"، "رحلة الى السماء"، "أي عمر أي ذاتٍ"، "في دروب السبعين"، "يا لطُهر الصفاء"، "رحماك في روح أمي"، "وحيداً وقفت"، شمس الهداية كوّرت"، "ذكرى الغدير". هذه القصائد المنشورة، منها ما يعود الى الخمسينات من القرن العشرين، والى التسعينات منه، اضافة الى آخر ما خطّت ريشة السيد من قصائد، وذلك قبل شهور قليلة، عبرت عن حال الكشف والتأمل والفلسفة. وعن الواقع الإنساني الذي عاشه الشاعر والعواطف التي تأججت بين حناياه.
يقع كتابه الشعري في 135 صفحة من الحجم الوسط.
"في دروب السبعين" صوت الشعر والإنسان المنفتح على وعي نفسه، ووعي الكون والحياة والجمال. الشعر هو الايحاء والتأمل في عمق الذات والوجدان والتصويت الوجداني وعندما يعيش الإنسان حب الله، فهذا يعني أنه يحب الجميع، الحياة والناس بمشاعر وأحاسيس متأملة متدفقة رؤى وتطلعات وتأملات وصفاء ورهافة عالية في غاية الوجود الإنساني، وثقافة الحياة لذاتيتها.
هكذا توحي أشعار السيد فضل الله بفعل الرهافة العالية والالفة مع الآخر، والتماهي مع الحرية والنغمات والشعر هو الحرية بلغة الرحمة والاخاء والسلام، وحين يقول السيد "اهوى الحياة" انطلاقاً من ثقافة وعلم وألوان الايمان، أبعد من الرجاء وبفصول متجددة وبذلك التأمل الغنائي والمادة الفكرية غير الحسية التي تصير هواء كل الزمان، وكل المكان. واللافت في الكتاب الشعري هي كل اللغة المسبوكة المشدودة والممسوكة الايقاع والبلاغة اللغوية والبحور المنتظمة على أوزانها وعروضها. لغة نقية تستحث خطاها بعيداً وبعيداً في عمق اللغة واشراقاتها وبفيض الشعور وغموض السر والاحساس وبحدس نهر الذكريات المتقدم والذي يجري مع الهواء جميلاً.
*من ابرز قصائد هذا الكتاب الشعري..
من دمي..
لا من تهاويل حياتي
تبدع اللهفة أسرار شكاتي
وتثير الدرب حولي أنجماً
يبعث الحب بها فجر حياتي
فأضم اللحن... في تهويمة
عذبة تمرح فيها أمنياتي
وعلى روحي من صوفيتي
نغمٌ عذبٌ...كأحلام سباتي"
**نهر الذكريات
يا نهر سر...أنا في ضفافك أجتلي
صور الحياة على الظلال فصولا
وأضم في كفي حلم شبيبتي
غضاً يفيض به الربيع هديلا
أنا في ضفافك والحياة طليقة
يجري بها الأمل الندي جميلا
أستلهم الذكرى فيلهب خاطري
فكر يشق الى السماء سبيلا
والفكر في لغة السماء عقيدة
طافت لتخلق من هداها الجيلا
يا نهر سر بين الحقول ولا تخف
من حاقد يدع الحقول صليلا
دعني أسير... وفي فمي
تتواثب الانغام نشوى
وعلى يدي تغفو الحياة
مُنىً وأطيافاً ولهوا
ماذا يضيرك لو تركت
الدرب يعبق بالنشيد؟
ويُريق نفح عبيره
فوق الأزاهر والورود
حالي وحالك أن أحلامي
تسير على السماء
ورؤاك عفّنها الضمير النتن في ليل الوباء
أنا وحدي أجري مع الليل والبدر
يصب السنا بأعماق نفسي
وعلى ناظريَّ لمحُ ابتهالات
وفي خاطري انتفاضة أنسي
وعلى وجهي الملوح بالحزن
نشيد يجتاح ثورة أمسي
**في دروب السبعين
يا لهاث الستين في خطوة السبعين
ماذاهناك: في الأعماق؟
عاد كل التاريخ في عمري المكدود
ذكرى تغيب في أوراقي
واستراح الشباب في غمرة الوجدان
في أريحية الأشواق
وتوارت طفولة الحب في الشيب
تناغيه في الزمان الباقي
وأنا ها هنا أعيش الرسالات
كما الضوء في مدى الآفاق
أستحث الصراع في ملتقى الفجر
وأحياه جذوة في احتراقي
لست ذاتاً تعيش للهو في وحي
اللذاذات في هوىً واشتياق
لا يعيش الضباب في افق أحلامي
خيالاً في غفرة استغراق
أنا في الشمس توقظ الصحو في عيني
نوراً يموج في الأحداق
يا لهاث الستين هل ترهق الروح
الدياجي مع السنين البواقي؟
أو تراني أثير خطوي في الساحة
جرياً في موعد الإشراق؟
إنها رحلة الحياة مع الله
الى أين؟ يا امتداد السواقي؟
رب عمري، منك امتدادات دنياه
إن همهمت خيول السباق
أنا أهواك، التقي حبك السمح
بروحي في موعد الانطلاق
أنا أهوى الحياة في درب رضوانك
إن أبعد الطريق رفاقي
أعطني من نداك ما يخصب الروح
ويروي ظمأي عبر الفراق
يا لُهاث الستين هل يبلغ السبعين
عمري بالجهد والإرهاق
. |